محمد هادي معرفة
27
التمهيد في علوم القرآن
فهموه أدركوا جماله ومسّ قلوبهم بتأثيره . . . وهذا ما نجده عنصرا مستقلّا بنفسه كافيا لإثبات فكرة الإعجاز وخلود القرآن ، بأسلوبه الذي يعلو ولا يعلى . أمّا ما يتساوق مع هذا العنصر الجمالي الفنيّ الرائع من الأغراض الدينيّة والعلمية - التي توسّع فيها بعضهم « 1 » - كاشتمال القرآن على العلوم الدينية والتشريعية ، وتحقيقه مسائل كانت مجهولة للبشر ، وعجز الزمان عن إبطال شيء منه . فهي أمور لا سبيل إلى إنكارها ، بل يقوم عليها من الأدلّة والبراهين ما لا يحصى . غير أنّها أدخل في معاني الفلسفة القرآنية منها في بلاغة القرآن ، وليست هي مادّة التحدّي لفصحاء العرب ، وإنما تحدّى القرآن العرب بأن يأتوا بمثل أسلوبه ، وأن يعبّروا بمثل تعبيره ، وأن يبلغوا ذروته التي لا تسامى في التصوير . فما إعجاز هذا الكتاب الكريم إلّا سحره ، ولقد فعل سحره هذا فعله في القلوب في أوائل الوحي ، قبل أن تنزل آياته التشريعية ونبوءاته الغيبية ونظرته الكليّة الكبرى إلى الكون والحياة والإنسان « 2 » . ويسترسل أبو حجر في كلامه : إذا كنّا لا نجد تناقضا بين الآيات الكونيّة المذكورة في القرآن وبين ما يكتشفه العلم في حاضره ومستقبله - بل نجد توافقا وانسجاما - فليس ذلك دليلا على إعجازه المرتبط بالتحدّى ، بل هو دليل على أنّه منزل من عند اللّه تعالى . وليس كلّ ما نزل من عند اللّه معجزا ، فالتوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب السماوية نزلت من عند اللّه ، ولم توصف بالإعجاز كما وصف القرآن ، ولم يقع بها التحدّي كما وقع بالقرآن ! وأيضا فإنّ الآيات الكونية التنزيلية لا تشمل سور القرآن كلّها ولا آياته جميعها ، وإنّما تقع فقط في بعض السور وفي بعض الآيات . . . ومعلوم أنّ التحدّي
--> ( 1 ) انظر تفسير المنار : ج 1 ص 210 - 212 الوجه السابع من وجوه الإعجاز التي ذكرها بمنتهى الاختصار والإيجاز ، وقد جرى على هذا الزرقاني في مناهل العرفان : ج 2 ص 353 - 361 . ( 2 ) مباحث في علوم القرآن : ص 320 - 321 .